السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
ads
ads
ads
رمزي سليم
رمزي سليم

رمزي سليم | يكتب | أسئلة الحضور والغياب

الإثنين 08/يوليه/2019 - 03:24 ص
طباعة
لحظاتٌ وقفت فيها قلوب الجميع داخل وخارج الإمارة خوفاً من هول المصيبة على الوالد والوالدة، فالوجعُ قاسٍ، والدموع لا تكفي، والقلوب تتوقف ولا تتحرك إلا بما يٌسيّرٌ الحياة. كل الدعوات للفقيد بالرحمة والمغفرة، ولأسرته المكلومة بالصبر وحسن العزاء. 

في واقعة الموت، بعيداً وقريباً من المرثيات والحزن الكبير الذي عمّ الإمارة التي اختفت ابتسامتها لأيام، وبهتتْ، ثمّة دروسٍ كبيرة نخرج بها من هذا المصاب الجلل، والحدث الكبير الذي تتوقف به الحياة، لبرهةٍ، وحتى سنوات وسنوات، ولكنها سرعان ما تستمر، على لوحِ قدرٍ مرسوم، بلا توقف، تهب وتعطي، وتختار لمقابلها الآخر الموت، أفضل الأحياء وأحبهم إلى الناس. 

في لعبة الحياة والموت، ربما تحب الحياة ممارسة الاختبارات معنا دوماً، نرحب بها في حالات التحدي والنجاح، ولكننا نتوقف في حالة الموت، التي تحيل الحياة نفسها إلى قطعة من النار، عصيٌّة على العيش، مليئة بالحزن، لا نلبث وأن نهرب منها إلى ذكرياتنا ومواقفنا مع الأعزاء ممن فقدناهم، هكذا كان حال الشارقة، خلال الأيام الماضية، وستظل الإمارة تذكر هذه الأيام طوال سنوات وسنوات قادمات بكل الحزن وألم الفراق، فأعظم من فُقد.. سيظلُ هو أكثر من يُذكر. 

في قلب خبر الموت، ولحظاته الأولى، يتوافد الناس على العزاء، قلوبهم تنبض بالحزن والوفاء، قلوبٌ تعدداها بالملايين ممن عرفوا الشارقة وحاكمها وأسرة القواسم الكريمة، ونالهم جزءٌ من فيض طيب أخلاقهم من مختلف الألوان والأنواع من الحديقة الغنّاء بالإنسانية التي غرسوها وتعاونوا على سقيها فرداً فرداً، فكان الأبنُ صورة طبق الأصل عن الأب، إنسانيةً وفناً وابتكاراً وحباً للشارقة وعملاً لها. تلك القلوب الحزينة والمشاركة، كان مقابلها قلوبٌ على عدد أصابع اليد الواحدة، لكن حزنها فاق وفاض عما نال تلك الملايين، حزنٌ على الولد الفقيد في ريعان شبابه وقمة عطاءاته المحلية والعالمية، وعلى العائلة، وعلى المائدة الصغيرة التي جمعتهم يوماً ما. حزناً لو قُسّم على الأرض لملأها، وكيف لا، ووالد الفقيد هو أب الإنسانية، يفرحُ وهو يخطط ويبني ويعمر لأبنائه وبناته من الشارقة كلها، وخارجها في بقاع العالم أجمع. 

في خضم فاجعة الموت، حزنُ الشيخ كان عظيماً، كل الدعوات تقسمت بين الدعاء للفقيد وبين أن يربط الله على قلب والد الجميع الشيخ سلطان القاسمي. ففقده كبيرٌ كبير، وهو الإنسان والمثقف والعطوف. قلبٌ بهذه المواصفات بكل تأكيد حزنه أكبر، نسأل الله أن يخفف مصاب الأسرة الكريمة. 

فلسفة الموت، كانت ولا تزال، وستظل عصيةٌّ على الإنسان، هذا الإنسان الذي كلما أبدع وعرف كيف يعيش الحياة، ويطوعها على بنانه، تنهار كل أعمدته بظهور الموت المفاجئ، والذي أكثر ما يفاجئ الأحياء بانتقاء أفضل من أمامهم، فيصدمهم، ويجعل الناس تبحث عن فلسفته، وماهيته، ولا سبيل إلا الإيمان بالقضاء والقدر. في هكذا لحظات، ينسابُ شريط سريع من الذكريات الحرّى، نراجعُ فيها ما كان يفعله من اختاره الموت منا، كيف عاش وكيف ساهم في الحياة، وكيف كان مقداره بين الناس، هذه الأسئلة كانت إجابتها الواحدة الكاملة هي: هذا الحزن الكبير الذي لفّ كل بيتٍ وفردٍ في الشارقة والإمارات والعالم من حولنا، وكل فردٍ في قبيلة الفن والإبداع.

في إجابات ما بعد الموت، تبقى المعادلة مختلةً وغير طبيعية، فمن قدّم للحياة، نحزن عليه أكثر، من ساهم في جمال وتلوين حياتنا هو ما نبكي عليه بالدم والدمع، من عطف علينا، وأبتكر وأبدع وقدّم، هو من ينال الحظوة الكبرى في تعازينا وكتاباتنا وذكرياتنا.

الموت هو وجهٌ آخر للأحياء، لا نتوسل فيه للذكريات.. أنْ أحْضري، لا، بل نسابقها للحضور والبقاء، والتردد الوامض في الأعين والعقول، صحواً ونوماً. في إجابات ما بعد الموت، العكس هو الصحيح، كما فكرة الموت نفسها. الجميلُ ممن رحلوا هو من يحضر، فيداهمنا في كل لحظة بلا استئذان. 

في فلسفة الموت، مقابل تلك الصدمة للأحياء، تتوافر قيمة أخرى لمواجهة الموت، وليس الفناء، أمام المبدعين والموهوبين، الذين عاشوا يبدعون ويبتكرون، ولم تغب عن أذهانهم أنهم ذاهبون إلى ذلك الباب المُسمى الموت، الباب الذي يدخلون منه ولا يخرجون لنا مرة أخرى، ويتركون الأحياء من بعدهم مكلومين ومحزونين، ولذلك تتعدد أفكارهم حول الموت، وحول النهاية.

هذه الكلمة التي شكلت آخر ما عمل عليه الفقيد الشيخ خالد بن سلطان، وما عرفه الناس عن إبداعاته، ليتجدد الحزن عليه، لأن من تفهم أعماله ومراميه وفلسفته، يدرك أن هذا الفنان الإنسان–عليه رحمة الله- كم كان شفافاً ونقياً وجميلاً وهو يرى ما لا يراه الآخرون، في اقتراب لحظة الفقد الرهيبة، اللحظة التي يبتعد عنها العاديون، ويقترب منها ذوي الرؤى الخارجة عن المألوف، فيتحدْونها في أعمالهم، ولكنهم يتركون لنا حزناً مقيماً لا يغادرنا أبداً.. 

في اقترابِ الموت، كان العرضُ الأخير لأخر مجموعة تصميمية مبدعة، لفقيدِ الشارقة، جميلاً، كعادة أعمال الفقيد الراحل، وبشهادة من شاهدوه وكتبوا عنه، ولكن ما لم يراه الآخرون، هو نظرة الوادع التي خطفت السحر من أعين فقيد الشارقة الكبير، ولم يفطن أحدٌ الى كلمة "النهاية" التي زيّنت أحد أعماله، والتي جاءت من دون زخارف جمالية اشتهرت بها تصميماته، ربما كان إحساسه بقرب فتح باب الموت، هو الغامرُ في تلك اللحظات، بل وربما كان يرى الموت وهو يناديه، وقلبه ما يزال مليءٌ بالإبداع، وبأعماله التي لم يقدمها للعالم بعد. وفي فلسفة الموت، لا يظهر إلا مرة واحدة وأخيرة، وربما كان يختار الأفضل في الناس، فإن كان الفقدُ عظيمٌ على الناس، ولكنها شهادة بأن الفقيد منا هو الأفضل. 

ضد فلسفة الموت، تظل الدروس والعبر الذي تمر بالناس من جراء التجارب الحياتية هي خلاصة ما عاشوه من أيام وسنوات، ومنهم من أسرع إلى تقديم ما تفخر به أمته وجيله، وهو من عرف كيف يقف ضد الموت بمعناه الواسع، فإن كان الموت يعني غياب الجسد والصوت، فإن العظماء، هم من وقفوا ضد فكرة الموت بعظيم أعمالهم وابتكاراتهم ومثالهم الحيّ الجميل، وكشفوا عن قلوب شفافةٍ رقيقةٍ، صدموا بها الموت الذي لم يستطع سوى تغييبهم عنا، حضورياً، ولكن سيظلون بأعمالهم، فينا ومنا، ورمزاً ومثالاً للأجيال المقبلة، هكذا كان فقيد الشارقة المغفور له بإذن الله الشيخ خالد بن سلطان القاسمي. 

ما بين الحزن والرضا بالفقد الأليم، تظل تجربة الحياة تسير من دارٍ الى دار، ومن جميلٍ إلى أجمل، ولتبقى كل أسئلة الموت، أسئلةً بلا أجوبة. 

التعازي من كافة القلوب المكلومة لأسرة الفقيد الكريمة، سائلين الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويلهم آله وذويه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه لراجعون.
رمزي سليم |  يكتب
ما مدى انتشار واتساع الصحافة الالكترونية بالوطن العربي ؟
ما مدى انتشار واتساع الصحافة الالكترونية بالوطن العربي ؟
ads
ads
adsads